العراق

المالكي في موسكو: ماذا يريد رئيس الوزراء العراقي السابق من روسيا

رئيس الوزراء العراقى السابق فى موسكو يسعى الى اقامة علاقات اقوى مع بوتين مع التركيز بقوة على استعادة رئاسة الوزراء فى عام 2018.

زيارة نائب الرئيس العراقي نوري المالكي لروسيا في الأسبوع الماضي قد وضعت العلاقات الجديدة بين بغداد وموسكو في بؤره الضوء. وما زالت العلاقات الثنائية غامضة بالنسبة للمراقبين، وتطغى عليها علاقات روسيا القوية مع سوريا وإيران.

في أول زيارة له إلى روسيا منذ عام 2012، عندما جاء في زيارة رسمية كرئيس للوزراء، تلقى المالكي استقبالا رفيع المستوى على نحو غير عادي من المسؤولين الروس مما يدل على الاهميه التي توليها كل من موسكو وبغداد لعلاقتاتهما الوثيقة تقليديا.

وقد تمت استضافة المالكي في موسكو لعقد لقاءات مع وزير الخارجية سيرغي لافروف فضلا عن رؤساء المجلسين العلوي والسفلي للبرلمان الروسي، وكلاهما يلعب دورا هاما في صياغة أجندة السياسة الخارجية للبلاد. وبعد زيارة ناجحة لموسكو استقل المالكي طائرة الى سان بطرسبرج، عاصمة روسيا الثانية حيث التقى فلاديمير بوتين.

وقد تمتعت روسيا والعراق تاريخيا بعلاقة وثيقة. وقد تحول العراق في البداية إلى روسيا بعد الاطاحه بالنظام الملكي المدعوم من الغرب من قبل الجنرال قاسم في 1958. وتمكن الاتحاد السوفياتي من الوصول إلى سوق الاسلحه في البلد ، وأصبح موردا احتكاريا للاسلحه إلى بغداد ، مما رسخ نفوذه علي الحكومة لسنوات قادمه. وعلي الرغم من ان الشيوعية واجهت المقاومة في العراق خلال الحرب الباردة ، فان العراق والاتحاد السوفيتي تمكنا من بناء علاقة بناءه علي أساس معارضتهما للغرب.

علاقات طويلة الأمد

وعلى الرغم من تراجع نفوذ موسكو الدولي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة من عهد الاتحاد السوفياتي وبعد انهياره، حافظت روسيا على علاقة مع صدام حسين أثناء احتلال الكويت وكذلك خلال الغزو الأمريكي للعراق. يذكر ان المالكي اصبح اول زعيم عراقي يتولى اقامة علاقات اوثق مع موسكو وزار روسيا عام 2009، وهي اول زيارة رسمية منذ 1981.

وفي اجتماع مع المسؤولين الروس ، ذهب المالكي إلى الدور الكبير الذي قام به لنظراءه والتاكيد علي الاهميه التي تلعبها موسكو في الشرق الأوسط. وقال لرئيس مجلس الاتحاد الروسي ، فالنتينا ماتفينكو ، على وجه التحديد ، اننا “نريد انفتاحا أكبر وصداقه أوثق مع روسيا”.

لكن كان أكثر ما يثير الدهشة في محاولات المالكي الواضحة للحصول على موافقة ودعم الكرملين هو طلبه للحصول على دور أكبر لموسكو في العراق.

“نود أن نرى وجود روسيا الملحوظ في بلادنا، سواء من حيث السياسة والدفاع.وهذامن شانه ان يخلق التوازن الذي تحتاجه المنطقة وأممها وبلدانها ” قال بعد اجتماع من هذه الاجتماعات.

في حين تلعب موسكو دورا هاما في العراق كما يتضح من تكثيف إمدادات الأسلحة إلى البلاد والتنسيق حول سوريا وكذلك التعاون في إنتاج النفط، فإن تصريحات المالكي الموجهة إلى روسيا قد تضعه على خلاف مع الجمهور المحلي، فضلا عن القوي الخارجية الأخرى.

عيون المالكي على رئاسة الوزراء

علي السطح قد يبدو ان المالكي لا يتطلع سوي إلى التباهي ب”صداقته” مع روسيا حتى يتمكن من استخدامها لاحقا كمقايضه في محادثات مع الشركاء الآخرين ، وهي خطوه استراتيجية كلاسيكية. غير انه إذا وضعت في سياق الحالة السياسية في العراق ، فان الرحلة الروسية التي قام بها المالكي تبدو ذات اهميه كبيره لطموحاته السياسية.

ويتطلع المالكي إلى تحدي حيدر العبادي في انتخابات العام المقبل لمنصب رئيس الوزراء، وهي المهمة التي شغلها نائب الرئيس في الفترة من 2006 إلى 2014، في حين أن تأمين دعم موسكو شيء يمكن أن يساعده على إرسال الإشارات اللازمة للمنافسين المحليين والخارجيين.

ومع اقتراب موعد الانتخابات العامة في عام 2018، يتطلع المالكي – الذي كان في وضع صعب عند سقوط الموصل وانتشار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في عام 2014 – إلى وضع نفسه كفاعل قوي يمكنه العودة كرئيس للوزراء. إن طموح المالكي لتحدي العبادي مدعوم من إيران، التي حلت محل الولايات المتحدة بشكل متزايد كقوة خارجية تتمتع بأقوى نفوذ إقليمي في العراق. ومع ذلك، قد يكون هذا مشكلة لنائب الرئيس في عام 2018. الخوف من نفوذ إيران في العراق آخذ في النمو وكذلك مقاومة طموحاتها، وهذا أمر يحتاج المالكي لمعالجته إذا كان يتطلع للحصول على الدعم من السنة العراقيين العام المقبل.

وفي هذا السياق، فإن وجود روسيا “السياسي والدفاع” في العراق من شأنه أن يوازن وجود إيران على الأقل في عين الجمهور، مما يعوض بعض التأثيرات السامة التي قد تكون لإيران في الشأن العام للعراق. وما من شك في أن طهران هي التي أعطت الضوء الأخضر لزيارة المالكي لروسيا، خاصة بالنظر إلى تقارير وسائل الإعلام العربية التي كشفت عن عدم موافقة الرئيس ولا رئيس الوزراء على الزيارة. والتصريح بالبيانات القوية بشان الحاجة إلى موسكو لتحقيق التوازن بين النفوذ الأجنبي في العراق لا يمكن ان تكون قد أعلنت دون علم إيران بها.

عقود الأسلحة

من المتوقع أن يصبح وجود روسيا في العراق أكثر وضوحا في المستقبل القريب. وقال خبراء عسكريون روس ان بغداد وموسكو وقعتا صفقة اسلحة كبيرة لتوريد دبابات تي -90 الى العراق قبل زيارة المالكي، وهو عقد يمكن ان يصل الى مليار دولار. في عام 2012، وقعت الدولتان حزمة دفاعية بقيمة 4.2 مليار دولار لتوريد طائرات الهليكوبتر الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي.

وتعني هذه العقود أيضا أن عددا كبيرا من الكوادر العسكرية العراقية سيتم تدريبه من قبل الروس، الذي يخلق تقليديا علاقات عسكرية قوية.

طائرات روسية متمركزة في قاعدة جوية في غرب سوريا (اف ب)

لكن السؤال هو إلى أي مدى تكون روسيا مستعدة للعب دور في السياسة العراقية والعمل كجبهة موحدة مع إيران في هذا الصدد. ولا يوجد حاليا اي مؤشر على ان موسكو مستعدة للاستثمار في اي سلطة سياسية في العراق خاصة اذا كان ذلك يضع روسيا على خلاف مع طهران.

وقد أظهرت الحملة العسكرية في سوريا أنه على الرغم من التمسك العلني ببعضها البعض في الصراع، إلا أن الخلافات تكثر بين موسكو وطهران، وخاصة فيما يتعلق بمسألة مستقبل سوريا السياسي.

ويرى الكرملين أن الحملة الإيرانية في البلاد تساهم في الطائفية وتعطل المحاولات التي تقودها روسيا للتسوية السياسية للنزاع. وبعبارة أخرى، فإن المشاركة الأعمق لموسكو في السياسة العراقية قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتؤدي إلى إسفين بين الحليفين، فضلا عن جعل روسيا مرتبطة بالسياسات الطائفية المدعومة من إيران.

العلاقات الكردية الروسية

من القضايا الأخرى التي جلبت المالكي إلى موسكو استفتاء الاستقلال الكردي في أيلول / سبتمبر. تتمتع روسيا بعلاقة قوية جدا مع الأكراد العراقيين وعشائر بارزاني الرائدة. قضى الزعيم الكردى الراحل مصطفى برزانى والد الرئيس الحالى للمنطقة العراقية الكردية ذاتية الحكم 10 سنوات فى المنفى فى الاتحاد السوفيتى وعند عودته الى العراق فى عام 1958 كان يتمتع بدعم سوفيتى لكردستان. إن التاريخ الذي اسهمت فيه الدولتان قد أوجد علاقة بين موسكو والبرزانيين، وهو ما يتجلى في الاتصالات المنتظمة بين المنطقة والكرملين، فضلا عن الزيارات المنتظمة للقيادة الكردية إلى موسكو.

التقى الرئيس مسعود بارزاني مع فلاديمير بوتين للمرة الأولى في عام 2013، بينما يزور ابن أخيه ورئيس الوزراء الكردستاني، نيشيرفان بارزاني، روسيا كل عام. وحضر المنتدى الاقتصادى الدولى فى سان بطرسبرج فى يونيو من هذا العام وعقدرئيس الوزراء الكردستاني اجتماعا مع الرئيس بوتين لاول مرة ووقع اتفاقية انتاج نفطية مع روسنيفت الروسية.

ودعا المسؤولون الكرديون روسيا باستمرار الى تزويدهم بالاسلحة لكن الكرملين يتهرب من هذه الاحتمالات خشية حدوث رد فعل دبلوماسي من بغداد وكذلك من تركيا وايران.

وتعتبر عقود النفط في اربيل مع موسكو دعوة لدعم استقلال كردستان الا ان الكرملين لم يعرب بعد عن موقف واضح من هذه القضية. واشار لافروف فى حديثه الاخير مع وكالة انباء  رووداو الكردية الى ان روسيا تدرك اهمية اجراء استفتاء للاكراد ولكنه اكد ان القضية اكبر بكثير من العراق.

 

دور روسيا بعد حرب سوريا

ليس هناك شك في أن كل من أربيل وبغداد تقدمان عروضا إلى موسكو لمحاولة كسب تاييدها. إن حملة المالكي النشطة ضد الاستفتاء الكردي ومحاولاته لإقناع فلاديمير بوتين بتداعيات  الاستقلال على الاستقرار الإقليمي يمكن أن يفوز به دعما كبيرا في العراق ويهبط له منصب رئيس الوزراء نظرا لموقف العبادي المتساهل بشأن هذه القضية.

ان زيارة المالكي إلى روسيا تعطي إحساسا بجدول اعمال شخصي قوي وهي بلا شك جزء من حملته قبل الانتخابات العامة في العام القادم. غير ان هذا يثير التساؤل عن السبب الذي يجعل موسكو مستعدة للعب معه إذا كانت قد قامت في السابق بالتحوط لرهاناتها بين أربيل وبغداد. والاجابه علي هذا السؤال تتعلق إلى حد كبير بدور روسيا المتصور في الشرق الأوسط في حقبة ما بعد الحرب السورية.

ويبحث الكرملين عن وجود دائم في المنطقة تدعمه الشراكات الاقتصادية والسياسية القوية وليس القوه الصعبة التي تتمتع بها في سوريا. وفي هذا الصدد ، قامت الحكومة الروسية بحمله لإيجاد حلفاء إقليميين جدد يمكنهم ان يساعدواها علي ادامه نفوذها الإقليمي ، وقد يصبح العراق واحدا منهم.

 

يوري بارمين

ميدل إيست آي

الثلاثاء 1 أغسطس 2017

– يوري بارمين هو خبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي يغطي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسياسة موسكو تجاه المنطقة وكذلك الصراع في سوريا. 

رابط المادة:

http://www.middleeasteye.net/columns/maliki-moscow-pitching-russian-backing-ahead-iraqs-2018-elections-1925452630

السابق
السيستاني، إيران، ومستقبل السلطة الدينية الشيعية في العراق
التالي
زيارة رجل الدين العراقي المؤثر مقتدى الصدر الى السعودية تثير القلق في طهران

اترك تعليقاً