اخترنا لكم

“الحكومة باعتنا”… أحزاب تسيطر على ساحة التحرير وتُخرجها من أيدي المحتجين


بدأ صباح الأحد هادئاً، رغم التحشيد الكبير للذكرى الأولى ليوم الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، وهو اليوم الذي بدأت فيه احتجاجات العراق عام 2019 بشكل فعلي، في انتفاضة لا تزال مستمرة حتى اللحظة.

استقبلت ساحة التحرير وافدين من بغداد ومن محافظات أخرى، وبرز حضور الطلبة من جديد بمشاركتهم الواسعة. كما احتضنت ساحات محافظات الوسط والجنوب، خاصة ذي قار التي صارت عاصمة الاحتجاجات في الأشهر الأخيرة، تظاهرات أخرى.

ولكن الهدوء الصباحي سرعان ما تغيّر، إذ توترت الأجواء بين متظاهرين وبين القوات الأمنية، ما أسفر عن سقوط عشرات الجرحى.

“الحكومة باعتنا”

“حدثت أشياء غريبة. في الصباح، اتفقنا على عدم التصعيد، ولكن بعدها ورد اتصال لبعض المحتجين وبدأوا بالتصعيد”، يقول متظاهر كان يتواجد على جسر السنك في بغداد صباح الأحد.

يتحدث المتظاهر الذي يخشى على حياته من ذكر اسمه، عن “استغرابه” لما شاهده، ويقول لرصيف22: “مَن اتفقنا معهم على عدم التصعيد وأكدوا ذلك، هم مَن صعدوا في مواجهة القوات الأمنية”.

بدأ هؤلاء، وفقاً للمتظاهر، برمي قوات مكافحة الشغب بالحجارة وعبوات “المولوتوف”. “بصراحة، لم أعرف من أين خرجت عبوات المولوتوف، فجأة صارت أمامنا”، يقول.

يتهم الشاب الذي يشارك في الاحتجاجات منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، مَن أسماهم بـ”عصابات جسر السنك” بالتصعيد والاعتداء على القوات الأمنية.

و”عصابات جسر السنك” تسمية أطلقت على مجموعة من الأشخاص الذين ظهروا في مرات عدّة وهم يرتدون الزي الأسود، ويحملون عبوات “المولوتوف”، ووجوههم مخفية وغير واضحة، ويرمون القوات الأمنية بتلك العبوات.

أصدرت الحكومة الأحد أكثر من بيان حول أهمية “الحفاظ على سلمية الاحتجاجات”، ودورها في “حماية المحتجين”، في محاولة منها لمنع أي صِدام بين الطرفين، لكنها كانت تضع ذات القوات المتهمة بقتل مئات المحتجين في الأشهر الماضية، بالقرب من الساحات وعلى أطرافها.

يبدو أن رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي لا يهمه استمرار الاحتجاجات من عدمه، ويُركّز كثيراً على ألا ترتكب القوات الأمنية في فترة حكومته ما يُمكنه أن يُنسي الناس عنف حكومة سلفه عادل عبد المهدي التي سقط في فترتها 560 قتيلاً وآلاف الجرحى والمعتقلين، بحسب الإحصاءات الرسمية.

موسى الأعرجي، وهو ناشط يتظاهر منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تحدث إلى رصيف22 من داخل ساحة التحرير، وشكى من وجود “جماعة” لم يسمّها، سيطرت على جزء كبير من الساحة منذ الخامس من الشهر الحالي.

يقول الأعرجي إن “طرفين سياسيين استحوذا على ساحة التحرير، وتقاسماها بينهما، لذا كانت فكرتنا نقل الاحتجاجات إلى جانب الكرخ بدلاً من الرصافة، حتى نوضح للحكومة بأن الساحة صارت مكاناً لصراع الأحزاب والجماعات المسلحة، إلا أن ذلك لم يحدث، ومنعتنا الحكومة”.

ويضيف: “الحكومة خذلتنا، الحكومة باعتنا”.

هدوء ثم تصعيد

وفقاً للأعرجي، شهدت ساحة التحرير هدوءاً واضحاً رغم محاولات البعض التصعيد، وكانت القوات الأمنية بحسب قوله “تتعامل بهدوء ومهنية”، إلا أنها بعد الساعة الخامسة عصراً بدأت بالتصعيد ضد المحتجين.

قبل ذلك، أعلنت الحكومة العراقية أنها “منعت عناصر الأمن من حمل السلاح داخل ساحات الاحتجاجات”.

“حدثت أشياء غريبة. في الصباح، اتفقنا على عدم التصعيد، ولكن بعدها ورد اتصال لبعض المحتجين وبدأوا بالتصعيد”

وأصدر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعد ساعات على بدء الاحتجاجات، موقفاً جديداً منها، وكتب في تغريدة على حسابه على تويتر: “بدأ المندسون المشاغبون المدعومون من الخارج يُخرجون الثورة عن سلميتها ولا سيما بعد أن أعلن رئيس الوزراء عدم تسليح القوات الأمنية”.

طلب الصدر من الحكومة بسط الأمن وردع مَن وصفهم بـ”الوقحين” عن “التخريب وزعزعة الأمن”، وفتح الطرق و”إرجاع هيبة الدولة”، وإلا تكون متواطئة مع “ذوي الأجندات الخارجية والأفكار المنحرفة”.

ثم في نهاية تغريدته، حيّا الصدر “المتظاهرين السلميين”.

في ساحة التحرير، بالإمكان أن تجد ممثلين عن كل الأحزاب العراقية، لكنهم يحملون صفات “متظاهرين”، وتجد أيضاً ممثلين عن فصائل مسلحة، وأغلب هؤلاء يمتلكون خِيَماً منذ أشهر، أو بالأحرى “اشتروها”، وفقاً لمتظاهر.

رغم كل هذه الضبابية، يعتبر رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن “الاحتجاجات عادت مرة أخرى في ظل رهان الكثيرين بأنها لن تعود”، ويضيف لرصيف22: “الموضوع لا يرتبط بالعدد، بل بالروح والعمل للضغط على تصحيح الأخطاء”.

“طرفان سياسيان استحوذا على ساحة التحرير، وتقاسماها بينهما، لذا كانت فكرتنا نقل الاحتجاجات إلى جانب الكرخ بدلاً من الرصافة، حتى نوضح للحكومة بأن الساحة صارت مكاناً لصراع الأحزاب والجماعات المسلحة، إلا أن الحكومة منعتنا. الحكومة خذلتنا، الحكومة باعتنا”

يشير إلى أن “هناك أطرافاً تعمل تحت مظلة تشرين لأغراض محددة، قد يكون منها شيطنة الاحتجاجات لكي تفقد التعاطف والتأييد الشعبي”، ويتابع: “أتصور أن هناك مَن يُريد أن يورّط رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي بدماء المتظاهرين من خلال الصِدامات”.

تُرفع في ساحة التحرير صور لسياسيين عدة، ما يطرح شكوكاً كبيرة بأن هناك مَن “يتاجر” بوجوده في الساحة ويستغل احتجاجات تشرين.

“احتجاجات ضعيفة”

المتظاهرون “السلميون” والناشطون المعروفون في الاحتجاجات لا يتبنون أعمال العُنف التي حصلت، ويتحدثون عن وجود أطراف سياسية استغلت الساحة واشترت بعض الخِيَم فيها لضرب خصومها.

بعد غروب الشمس، احترقت بعض الخِيَم في ساحة التحرير، ولم تُعرف أسباب ذلك، لكن الكثيرين من الناشطين تحدثوا عن “وجود صراعات بين مجموعات تسيطر على الخِيَم المحروقة ومجموعات تُسيطر على أخرى داخل الساحة”.

رحمن الجبوري، وهو كبير الباحثين السابق في الصندوق الوطني للديمقراطية في واشنطن، ومعروف بنشاطه مع تنسيقيات الاحتجاجات، يقول لرصيف22: “احتجاجات هذا العام لن تستمر، بدت ضعيفة، وهناك مشاكل داخل الساحات، كما لا يوجد هناك تفاعل جماهيري معها”.

ويضيف: “صراعات الساسة طغت على الساحة بشكل عام. رُفعت صور لشخصيات لا دخل لها بالساحات ولا بالقرار السياسي الأساسي والكبير. للأسف، كأن تشرين مستأجرة للآخرين. هناك مَن يتاجر بالثورة”.

ويؤكد الجبوري “وجود عمليات بيع وشراء للخِيَم في ساحة التحرير” وأن “أحزاباً كبيرة وصغيرة سيطرت من خلال مجموعات تابعة لها على مساحات جغرافية من الساحة وعلى خِيَم فيها لضرب مَن تُريد ضربه”.

في الساحة صار هنالك خطر كبير على المحتجين مصدره أشخاص يُمثّلون أطرافاً سياسية وأطرافاً مسلحة. الأحد، تعرّض بعض الناشطين إلى طعنات بالسكاكين وفقاً لشهود عيان. لكن يبقى أنها مكان تطغى عليه الألوان العراقية والأهداف التي ترتبط بحياة المواطن بشكل كبير. فهل يستعيد المتظاهرون رمز انتفاضتهم ويعيدون الزخم إليها؟

 مصطفى سعدون

رصيف 22

السابق
الفساد في العراق.. ٤٠ ملفا واضحا ونوعان من المتورطين
التالي
معلومات جديدة تعطي “دفعة أمل” بالنسبة لرواتب شهر تشرين..

اترك تعليقاً